الجمعة، 10 يونيو، 2011

السيّدة فاطمة بنت الإمام الكاظم عليه السّلام

هي السيّدة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليها السّلام، سليلة الدوحة النبويّة المطهّرة، وغصن يافع من أغصان الشجرة العلويةالمباركة، وحفيدة الصدّيقة الزهراء عليها السّلام، المحدِّثة، العالمة، العابدة. اختصّتها يد العناية الإلهيّة فمنّت عليها بأن جعلتها من ذريّة أهل البيت المطهّرين.
حدّثت عن آبائها الطاهرين عليهم السّلام، وحدّث عنها جماعة من أرباب العلم والحديث.

أسماؤها وألقابها
1ـ فاطمة:
إن لهذا الاسم قدسية في نفوس أهل البيت (عليهم السلام)، ولذا ذكر بعض الباحثين أن جميع الأئمة كانت لهم بنات بهذا الاسم، حتى أن أمير المؤمنين الذي كان اسم أمّه فاطمة واسم زوجته فاطمة، كان له بنت اسمها فاطمة، وأنّ الإمام الكاظم كانت له أربع بنات بهذا الاسم،.

2ـ المعصومة:
ويقترن هذا الاسم باسم فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر ، فيقال في الأعم الأغلب:
فاطمة المعصومة، كما يقال عند ذكر أمّها الكبرى:
فاطمة الزهراء (عليها السلام).
وقد ورد هذا الاسم في رواية عن الرضا حيث قال:
من زار المعصومة بقم كمن زارني.
ولهذه التسمية من الدلالة ما لا يخفى، فإنها تدلّ على أنّ
السيدة فاطمة (عليها السلام) قد بلغت من الكمال والنزاهة والفضل مرتبة شامخة حيث سمّاها الإمام بالمعصومة،
والعصمة تعني الحفظ والوقاية، والمعصوم هو الممتنع عن جميع محارم الله تعالى، وهي لا تنافي الاختيار، فتكون مرتبة من الكمال لا تهمّ النفس معها بارتكاب المعصية فضلاً عن الإتيان بها مع القدرة عليها عمداً أو سهواً أو نسياناً، ولا يكون معها إخلال بواجب من الواجبات، بل ولا مخالفة الأولى كما في بعض المعصومين (عليهم السلام)،
وليست هي أمراً ظاهراً وإنّما هي حالة خفيّة من حالات النفس، ويستدلّ عليها بالنص أو القرائن القطعية الدالّة على ثبوتها، كما أنّها أمر مشكك، أي ذات مراتب تتفاوت فيها القابليات والاستعدادات من شخص إلى آخر.

3ـ كريمة أهل البيت:
وهو من ألقاب هذه السيدة الجليلة، وعرفت به من دون سائر نساء أهل البيت.
وقد اشتهر الإمام الحسن المجتبىبهذا اللقب من دون سائر الرجال، فكان يقال له كريم أهل البيت.
وقد أطلقه عليها الإمام المعصوم في قصّة وقعت لأحد السادة الأجلاّء وقال له:
(عليك بكريمة أهل البيت)
مشيراً إلى هذه السيدة الجليلة،
وإنّ من أبرز مظاهر كرمها أن مثواها المقدس كان ولا يزال منبعاً للفيض، وملاذاً للناس، ومأمناً للعباد، ومستجاراً للخلق، وباباً من أبواب الرحمة الإلهية للقاصدين، وأنّ مدينة قم حيث تضمّ مرقدها الطاهر كانت ولا تزال حاضرة العلم، وحرم الأئمة وعش آل محمد (عليهم السلام) ومنفراً لأهل العلم من شتى بقاع الأرض، يتلقّون علوم أهل البيت (عليهم السلام) محتضنة كوكبة من العلماء والطلاب، ولا زالت هي والنجف الأشرف فرسي رهان تتسابقان في تخريج حملة العلوم على شتى مراتبهم، وسيوافيك عن ذلك حديث.
ففي وصف هذه السيدة الجليلة بأنّها كريمة أهل البيت دلالة على أنها ذات خير وبركة على الخلق، ولا سيما شيعة آل محمد واختصّ أهل قم منذ اللحظة التي تشرفت أرضهم بها أنهم لا يزالون ينعمون ببركاتها وخيراتها آناء الليل وأطراف النهار، ويعيشون في حماها ويتفيأون ظلالها في امتياز خاص بهم من دون أهل سائر المناطق الأخرى.

أبوها
أجلّ ولْد الإمام الصادق قدراً، وأعظمهم محلاًّ وأبعدهم في الناس صيتاً؛ لم يُرَ في زمانه أسخى منه ولا أكرم نفساً وعِشرة؛ وكان أعبد أهل زمانه وأورعهم وأجلّهم وأفقههم.
كنيته أبو الحسن، وهو أبوالحسن الأوّل، ويُعرف بالعبد الصالح، والكاظم. وقدنصّ على إمامته الإمام الصادق في حياته، وأوصى شيعته به من بعده.


ولد بالأبواء (موضع بين مكّةوالمدينة) يوم الأحد السابع من شهر صفر سنة 124هـ، فأولَمَ الصادق بعدولادته وأطعم الناس ثلاثاً.


وقبض ببغداد شهيداً بالسمّ في حبس الرشيد، على يد السِّندي بن شاهك يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة 183هـ على المشهور، وعمره يومذاك 55 سنة. قام منها مع أبيه 20 سنة، وبعد أبيه 35 سنة، وهي مدّة خلافته وإمامته.
عاصر الإمام الكاظم قسماً من حكم المنصور، ثمّ ابنه محمّدالمهديّ ـ وقد حكم عشر سنين وشهراً وأيّاماً، ثمّ مُلك موسى الهادي فحكم سنة و15يوماً، ثمّ ملك هارون الرشيد بن محمّد المهديّ.
واستشهد الكاظم بعد مضيّ 15 سنة من مُلك هارون، ودُفن ببغداد في الجانب الغربيّ، في المقبرة المعروفة
بمقابر قريش
(مدينة الكاظميّة الحاليّاً)، فصار يُعرف بعد شهادته
بـ «باب الحوائج»



أمّها
أمّ ولد يُقال لها سَكَن النُّوبيّة، وقيل:نجمة؛
وكُنيتهاأمّ البنين ؛


سُمّيت بالطاهرة بعد ولادة الإمام الرضا ؛
فالسيّدة المعصومة أخت الرضا لأمّه وأبيه.


ولادتها ونشأتها
وُلدت السيّدة المعصومة في المدينة المنورة،
وترعرت في بيتالإمام الكاظم .
فورثت عنه من نور أهل البيت وهديهم وعلومهم في العقيدة والعبادة والعفّة والعلم،وعُرفت على ألسنة الخواصّ بأنّها كريمة أهل البيت عليهم السّلام.


نشأت السيّدة فاطمة تحت رعاية أخيها الإمام الرضا ،
لأنّ الرشيد العبّاسي أمر أبيها عام ولادتها، فأودعه سجونه الرهيبة الواحد تلو الآخر، إلى أن اغتاله بالسمّ عام 183هـ،



فعاشت السيّدة المعصومة مع إخوتها وأخواتها في كنف الإمام الرضا


وقد أجمع أصحاب السير والتراجم على أنّ أولاد الإمام الكاظم
كانوا أعلاماً لائحة في العبادة والتقوى والنُّسك.



أخوها الإمام الرضا عليه السّلام


خلّف الإمام الكاظم بعد استشهاده أولاداً كثيرين ذاعت فضائلهم ومناقبهم في الخافقين،
وكان الإمام الرضا مشهوراً بالتقدّم ونباهة القدر وعظم الشأن وجلالة المقام بين الخاصّ والعامّ.
سُمّي بالرضا لأنّه كان رضى لله عزّوجلّ في سمائه، ورضى لرسوله والأئمّة عليهم السّلام بعده فيأرضه.
وقيل: لأنّه رضي به المخالفون من أعدائه،
كما رضي به الموافقون من أوليائه.



الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة
ولدت السيّدة المعصومة في عهد الرشيد العبّاسيّ، ففتحت عينيها منذ صغرها على وضع سلطوي إرهابيّ؛
فلقد قامت أركان الدولة العبّاسيّة على أنقاض الدولة الأمويّة،
وتستّر العبّاسيّون وراء شعار رفعوه في بداية أمرهم هو
«الرضا منآل محمّد»
ليوهموا طائفة من المسلمين الموالين لأهل البيت عليهم السّلام،
لكنّهم ما إن تسلموا سدة الحكم واستتبّت لهم الأمور حتّى قلبوا لأهل البيت ظهر المجنّ، وامتدّت أيديهم بالقتل والبطش والقمع لكلّ من يمتّ لهذه الدوحة العلويّة الشريفة بصلة، فلاحقوا أئمّة أهل البيت عليهم السّلام وقتلوهم وسجنوهم.



نماذج من جنايات العبّاسيين
نقلت كتب التواريخ والسير نماذج مروّعة من قصص الطالبيّين الذين قُتلوا على أيدي العبّاسيين أيّام الحكم العباسيّ عامّة، وأيّام حكم الرشيد خاصّة.
منهم:
يحيى بن عبدالله بن الحسن المثنّى
الذي وُصف بأنّه كانت تُعرف سلالة الأنبياء في وجهه،
وذُكر أنّ الرشيد أعطاه أماناً مؤكّداً مغلّظاً لا حيلةفيه، حتّى إذا تمكّن منه نقض أمانه وخرّقه، ثمّ سمّ يحيى وقتله،
وقيل أنّه بنى عليه أسطوانة وهو حيّ.
ومنهم:
إدريس بن عبدالله بن الحسن، وعبدالله بن الحسن بن عليّ بن الحسين، ومحمّد بن يحيى بن عبدالله بن الحسن المثنّى،
والحسين بن عبدالله بن إسماعيل بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب،
وسواهم كثير.


وأتمّ الرشيد طغيانه وظلمه بقتله سليل النبوّة، حليف التقى، أعبَد أهل زمانه وأعلمهم وأكرمهم:
الإمام موسى بن جعفر .


اغتيال الإمام الكاظم عليه السّلام
قالوا: لمّا دخل هارون المدينة زار النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم
فقال: السّلام عليك يا رسول الله، السّلام عليك يا ابن عمّ
ـ مفتخراً بذلك على غيره ـ
فتقدّم أبو الحسن (الكاظم) وقال:
السّلام يا رسول الله،السّلام عليك يا أبه!
فتغيّر وجه الرشيد وتبيّن فيه الغضب.
ونقل المؤرّخون
أنّ الرشيد سجن الإمام الكاظم وقيّده، ثمّ استدعى قُبّتَين فجعله في إحداهما،وأرسل إحدى القُبّتَين على طريق الكوفة، والأخرى ـ وفيها الإمام ـ على طريق البصرة، ليعمّي على الناس خَبَره ،
فسّلمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور وكتب إليه في اغتياله،
فاستعفى عيسى منه، فوجّه الرشيد مَن تسلّمه منه بعد سنة، وصيّره إلى بغداد فسلّمه إلى الفضل بن الربيع.
ثمّ أراد الرشيدُالفضلَ على شيء من أمرالكاظم فأبى،
فأمر بتسليمه إلى الفضل بن يحيى، ثمّ إلى السِّنديّ بن شاهك،
حتّى سمّه في طعام قدّمه إليه.



عهد المأمون العبّاسيّ
ثمّ عاصرت السيّدة المعصومة بعضاً من عهد المأمون العبّاسيّ الذي عُرف بالدهاء؛


وكان قد خطّط لإخماد ثورات الطالبيين بالحيلة والمكر،
فتوسّل من جديد بشعار
(الرضا من آل محمّد عليهم السّلام)،



إلاّ أنّه قدّمه في صيغة جديدة هي إسناده ولاية العهد إلى
الإمام الرضا .
وهو الذي أقرّ له المخالف والمؤالف بالفضل والعلم والتقدّم، فاستدعاه من المدينة المرّة تلو الاُخرى، حتّى وجّه إليه مَن حمله وجماعة من آل أبي طالب من المدينة إلى خراسان، ثمّ بعث إليه الفضلَ بنَ سهل وأخاه الحسن ليعرضا عليه تقلّد ولاية العهد فأبى، فلم يزالا به وهو يأبى،
إلى أن قال له أحدهما:
والله، أمرَني (المأمون) بضرب عُنقك إذا خالفتَ مايريد.



المأمون وولاية العهد


كان الإمام الرضا يعرف تماماً تدبير المأمون، وأنّه لمّا أُكره على قبول ولاية العهد، رفع يديه إلى السماء فقال:
اللهمّ إنّك تعلم أنّي مُكرَه مُضطرّ، فلا تؤاخذني كما لم تؤاخذ نبيَّك يوسُف حين دُفع إلى ولاية مصر.


ولمّا استتبّ الأمر للمأمون، تنكّر للرضا ، فداف له السمّ في عصير رُمّان، وفي عنب كان يغمس فيه السلك المسموم ويُجريه بالخياط في العنب ليخفى، وذُكر أنّ ذلك من دقيق السموم.
ولمّا استُشهد الإمام الرضا لم يُظهر المأمون وفاته في وقته، وتركه يوماً وليلة، ثمّ وجّه إلى جماعة من آل أبي طالب، فأراهم إيّاه صحيح الجسد،
وأظهر جزعاً شديداً.




السيّدة المعصومة ترحل طلباً لأخيها عليهما السّلام


اكتنفت السيّدةَ المعصومة عليها السّلام ـ ومعها آل أبي طالب ـ حالةٌ من القلق الشديد على مصير الإمام الرضا منذ أن استقدمه المأمون إلى خراسان.


لقد كانوا في خوف بعدما أخبرهم أخوها أبو الحسن الرضا
أنّه سيُستشهد في سفره هذا إلى طوس خاصّة وأنّ القلوب الكليمة ما تزال تَدمى لمصابهم بالكاظم الذي استُقدم إلى عاصمة الحكم بغداد، فلم يخرجمن سجونها وطواميرها إلاّ قتيلاً مسموماً.


كلّ هذا يدلّنا على طرف ممّا كان يعتمر في قلب
السيّدة المعصومة عليها السّلام،
ممّا حدا بها
ـ حسب رواية الحسن بن محمّد القمّي في تاريخ قم ـ
إلى شدّ الرحال، لتتحسّس عن أخيها الإمام.
وهكذا رحلت تقتفي أثر أخيها , والأمل يحدوها في لقائه حيّاً، لكنّ عناء السفر ومتاعبه اللذينِ لم تعهدهما
كريمة أهل البيت أقعداها عن السير، فلزمت فراشها مريضة ، ثمّ سألت عن المسافة التي تفصلها عن قم
ـ وكانت آنذاك قد نزلت في مدينة ساوة ـ
فقيل لها إنّها تبعد عشرة فراسخ، فأمرت بإيصالها إلى مدينة قم، فحمُلت إليها على حالتها تلك،
وحطّت رحالها في منزل موسى بن خزرج بن سعد الأشعريّ،
حتّى توفيّت سلام الله عليها بعد سبعة عشر يوماً.


وفي أصحّ الروايات


أن خبرها لمّا وصل إلى مدينة قم، استقبلها أشراف قم، وتقدّمهم
موسى بن خزرج، فلمّا وصل إليها أخذ بزمام ناقتها وقادها إلى منزله، وكانت في داره حتّى تُوفيّت... فأمرهم بتغسيلها وتكفينها، وصلّى عليها، ودفنها في أرض كانت له، وهي الآن روضتها، وبنى عليها سقيفة من البَواري،
إلى أن بَنَت زينب بنت محمّد الجواد عليها قبّة.



هل استشهدت المعصومة بالسمّ؟
ذكر بعض المصادر أنّ المأمون لمّا بلغته أخبار القافلة التي تحرّكت من المدينة إلى خراسان، وفيها اثنان وعشرون علَويّاً، وعلى رأسها السيّدة
فاطمة بنت موسى عليها السّلام،
وأنّ عدد أفراد القافلة يتعاظم كلّما تقدّمت في مسيرها، أوعزبالتصدّي لها، فتصدّى لها جماعة من جلاوزة النظام، وقتلوا وشرّدوا كلّ من كان فيها. وقيل إنّ السمّ دُسّ بعد ذلك إلى السيّدة المعصومة
في مدينة ساوة، فلم تلبث إلاّ أيّاماً قليلة حتّى فارقت الحياة.



لطمية السيدة فاطمة المعصومة
-باسم الكربلائي-









دفن السيّدة المعصومة
روى الحسن بن عليّ القمّي أنّ :
فاطمة (المعصومة)رضي الله عنها لمّا توفيّت وغُسلّت وكُفّنت،
حُملت إلى مقبرة (بابلان) ووضعت على حافّة سرداب حُفرلها،
فاختلف آل سعد في مَن يُنزلها إلى السرداب، ثمّ اتّفقوا على أن يتولّى ذلك خادم لهم صالح كبير السنّ،
فلمّا بعثوا إليه رأوا راكبَين مُقبلَين من جانب الرملة وعليهما لِثام، فلمّا قَرُبا من الجنازة نزلا وصَلّيا عليها، ثمّ نزلا السرداب وأنزلا الجنازة ودفناها فيه، ثمّ خرجا ولم يُكلّما أحداً، وركبا وذهبا ولم يدرِ أحد مَن هما.

عمر السيّدة فاطمة المعصومة


لم تتوفّر مصادر تاريخيّة موثّقة تحدّد سنة ولادة
السيّدة فاطمة المعصومة عليها السّلام،
وقد ذكر البعض أنّها وُلدت سنة 173 هجريّة،
فيما ذكر آخرون أنّ ولادتها كانت سنة 183هـ، وهوقول فيه نظر؛
لأنّ الإمام الكاظم عليه السّلام استُشهد سنة 183هـ، و استُدعي قبلَ ذلك مِن قِبل الرشيد فأُرسل إلى البصرة فحُبس فيها سنة، ثمّ نقل إلى بغداد فحبس فيها ثلاث سنين، حتّى استشهد.


وإذا أخذ بالقول أنّ السيّدة قد ولدت سنة 173هـ،
فإنّ عمرها الشريف سيكون عند وفاتها سنة 201هـ في حدود 28عاماً.


بَيْد أنّ المعصومة عليها السّلام ـ على أيّة حال ـ
لا تتأخّر عن سنة 179هـوهي سنة اعتقال
والدها الكاظم ،
فيكون عمرها الشريف 22 سنة في أقل التقديرات.




وصيّة الإمام الكاظم وصدقته
جعل الإمام الكاظم ـ في وصيّته ـ
أمر تزويج بناته بيد ولده الإمام عليّ بن موسى الرضا
دون بَنيه الآخرين،
وأنّه ـ وهوالأعرف بمناكح قومه ـ
إن شاء تزويج أخواته من الأكفاء فعل،
وإن أراد أن يترك تزويجهنّ
ـ لعدم وجود الأكفاء، أو لوجود ظروف قاهرة ـ ترك.
كما أنّ الإمام الكاظم تصدّق بأرض
ـ حدّدها بحدودها ـ
على أولاده وبناته ما دُمنَ لم يتزوّجن ولم يكن لهنّ معيل، فإن عادت إحداهن، بعد زواجها، ـ كأنْ يُتوفّى زوجها ـ عاد إليها سهمها من الصدقة، وأضحى شأنها شأن من لم تتزوّج من أخواتها.



حول زواج السيّدة المعصومة


إنّ نظرة فاحصة إلى مُجمل الأوضاع العصيبة التي عاصرتها
السيّدة المعصومة عليها السّلام،
والضغط الشديد والارهاب اللذين تعرض لهما العلويّون والطالبيّون في عهد الرشيد، انتهاءً بالاعتقال والقتل الفجيع الذي تعرّض له كبيرهم
الإمام الكاظم ..
يجعلنا ندرك سبب عدم زواج السيدة المعصومة وأغلب بنات
الإمام الكاظم .
ولقد كان العلويّون والطالبيّون مُلاحَقين مُشرّدين،
يلاحقهم جلاوزة الرشيد أينما حَلُّوا.
أما الأكفاء من الآخرين، فالظاهر أنّ أحداً منهم لم يجرؤ
ـ وقد عرف عداء الرشيد للكاظم ـ
على التعرّض لسخط هارون من خلال مصاهرته
للإمام الكاظم ، كما ندرك الحكمة التي جعلت الإمام الكاظم ـ وهو العارف بهذا الظرف العصيبـ يخصّص أرضاً معيّنة لتُوزّع عائداتها على بناته إن فقدن المُعيل الذي يُعيلهنّ.
ويبقى أمر عدم زواج السيّدة المعصومة،
وأغلب أخواتها الأخريات من بنات الإمام الكاظم
أحد الشواهد على الظلم والإرهاب اللذين تعرّض لهما
أهل البيت عليهم السّلام في زمن العبّاسيين عامّة،
وفي عصر الرشيد على وجه الخصوص.



روايات السيّدة فاطمة المعصومةعليها السّلام
•روى الحافظ شمس الدين الجَزري الشافعي المتوفّى سنة 833هـ، في كتابه (أسنى المطالب)، بإسناده عن بكر بن أحمد القصريّ، قال:


حدّثتنا فاطمة بنت عليّ بن موسى الرضا، حدّثتني فاطمة وزينب وأم كلثوم بنات موسى بن جعفر، قلن: حدّثتنا فاطمة بنت جعفر بن محمّد الصادق، حدّثتني فاطمة بنت محمّد بن عليّ، حدّثتني فاطمة بنت عليّ بن الحسين، حدّثتني فاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن عليّ، عن أمّ كلثوم بنت فاطمة ،عن فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ورضي عنها، قالت:
أنَ سِيتُم قولَ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يومَ غدير خُمّ:
«مَن كنتُ مَولاهُ فعليٌّ مَولاه»،
وقولَه صلّى الله عليه وآله وسلّم
«أنتَ منّي بمنزلةِ هارونَ من موسى»؟!
وهكذا أخرجه الحافظ أبو موسى المدائني في كتابه، وقال:
وهذا الحديث مُسَلسَل مِن وجهٍ آخر، وهو أنّ كلّ واحدة من الفواطم تروي عن عمّة لها، فهو روايةخمس بنات أخ، كلّ واحدة منهنّ تروي عن عمّتها.
•وروى المجلسي عن جعفر بن أحمد بن عليّ القمّي في كتاب (المسلسلات)، بإسناده عن بكربن أحنَف، قال:
حدّثتنا فاطمة بنت عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام، قالت:
حدّثتني فاطمة وزينب وأمّ كلثوم بنات موسى بن جعفر عليهم السّلام، قلن:
حدّثتنا فاطمة بنت جعفر بن محمّد عليهما السّلام، قالت:
حدّثتني فاطمة بنت محمّد بن عليّ عليهما السّلام، قالت:
حدّثتني فاطمة بنت عليّ بن الحسين عليهما السّلام، قالت:
حدّثتني فاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن عليّ عليهما السّلام، عن أمّ كلثوم بنت عليّ عليه السّلام، عن فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، قالت:
سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول:
لمّا أُسريَ بي إلى السماء دخلتُ الجنّة فإذا أنا بقصرٍ من دُرّةٍ بيضاءَ مُجوَّفة، وعليها باب مُكلَّل بالدرّ والياقوت، وعلى الباب ستر؛ فرفعتُ رأسي فإذا مكتوبٌ على الباب:
«لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ وليّ القوم»،
وإذا مكتوب على السِّتر:
«بخٍّ بخّ! مَن مِثلُ شيعةِ عليّ ؟!».
فدخلتُه فإذا أنا بقصرٍ من عقيقٍمُ جوّف، وعليه باب من فضّة مكلّل بالزبرجَد الأخضر، وإذا على الباب ستر، فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الباب:
«محمّد رسول الله، عليّ وصيّ المصطفى»،
وإذا على الستر مكتوب:
«بَشِّرْ شيعةعليّ بطِيب المولد».
فدخلتُه فإذا أنا بقصر من زُمرُّد أخضر مُجوّف لم أرَ أحسنَمنه، وعليه باب من ياقوته حمراء مُكلّلة باللؤلؤة، وعلى الباب ستر، فرفعتُ رأسي فإذا مكتوب على الستر:
«شيعةُ عليٍّ هُمُ الفائزون»،
فقلتُ:حبيبي جبرئيل، لمن هذا ؟فقال:
يامحمّد، لابن عمّك ووصيّك عليّ بن أبي طالب؛ يُحشَر الناس كلّهم يوم القيامة حُفاةً عُراة إلاّ شيعة عليّ؛
ويُدعى الناس بأسماء أمّهاتهم ما خلا شيعة عليّ عليه السّلام، فإنّهم يُدعَون بأسماء آبائهم.
فقلت: حبيبي جبرئيل، وكيف ذاك ؟ قال:
لأنّهم أحبّوا عليّاً، فطاب مولدهم.
بيان:
«فطاب مولدهم»
لعلّ المعنى أنّه لمّاعلم الله من أرواحهم أنّهم يحبّون عليّاً، وأقرّوا في الميثاق بولايته، طَيّبَ مولد أجسادهم.
•وروى الشيخ الصدوق بإسناده عن فاطمة بنت موسى عليه السّلام، عن عمر بن عليّ بن الحسين، عن فاطمة بنت الحسين عليه السّلام، عن أسماء بنت أبي بكر، عن صفيّة بنت عبدالمطلّب قالت:
لمّا سقط الحسينمن بطن أمّه
ـ وكنتُ وَلِيتُها ـ قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم:
يا عمّة، هلميّ إلَيّ ابني.
فقلت:يا رسول الله، إنّا لم نُنظفّه بعدُ،
فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم:
ياعمّة، أنتِ تُنظّفينه؟!
إن الله تعالى قد نَظّفه وطهّره.



مزار السيّدة المعصومة
عليها السّلام
يرجع تاريخ القبّة الحاليّة على قبر السيّدة المعصومة إلى سنة (529هـ)، حيث بُنيت بأمر من
المرحومة (شاه بيكم بنت عماد بيك).
أمّا تذهيب القبّة وبعض الجواهر التي رصّع بها القبر الشريف، فهي من آثار فتح علي شاه القاجاريّ.


وهناك فوق قبر السيّدة فاطمةصخرة عليها نقش كهيئة المحراب، تحيط به آية الكرسيّ، وكُتب في وسطه
«توفيّت فاطمة بنت موسى في سنة إحدى ومائتين».


مصلّى السيّدة المعصومة


ما يزال المحراب الذي كانت السيّدة فاطمة تصلّي فيه في دار
موسى بن خزرج ماثلاً إلى الآن، يقصده الناس لزيارته والصلاة فيه.
وقد جُدّدت عمارته خلال السنوات الأخيرة، وشُيّدت إلى جانبه مدرسة لطلبة العلوم الدينيّة
تعرف بـ «المدرسة الستّيّة».
يقع المحراب في الشارع المجاور للصحن الشريف، ويُعرف بشارع «چَهارمَرْدان» على يسار الذاهب من الروضة الفاطميّة، وهو مزدان ب القاشاني المعرّف، وعلى مدخله أبيات بالفارسيّة، تعريبه:
لقد شُيِّد هذا البناء المُنير إجلالاً لبنت موسى بن جعفر، حيث مَثُل فيه محراب فاطمة المعصومة، فزادت به «قم» شرفاً على شرف.
مرقد السيدة فاطمة
عليها السلام








من كرامات السيّدة المعصومة عليهاالسّلام


حمزةالاذربيجانيّ
بعد انحلال الاتحاد السوفيتي وانقسامه إلى دول عديدة، فُتحت أبواب السفر بين إيران وجمهورية آذربيجان، فصمّم عدد من مسؤولي الحوزة العلميّة في قمّ على السفر إلى آذربيجان لاختيار عدد من شبابها اللائقين، لدعوتهم للمجيء إلى قم لدراسة العلوم الإسلاميّة،


من أجل أن يكونوا في المستقبل مبلّغين في بلادهم يسدّون الخلل الموجود في التثقيف الإسلامي في تلك البلاد، ذلك الخلل الذي سبّبه الحكم الشيوعي الظالم هناك.
وفي «نخجوان» التقَوا بشاب يُدعى «حمزة» طلب منهم السماح له بالسفر إلى قمّ للدراسة في حوزتها، فاعتذر منه أولئك المسؤولون،


لأنّ من شروط الاختيار سلامة أعضاء بدن الفرد،
وكانت إحدى عيني «حمزة» معيوبة لا تبصر، وكان عيبها ظاهراً للعيان، وبطبيعة الحال فإنّ وجود نقص عضويّ ظاهر لدى الفرد المبلّغ ربّما يؤثّر سلباً في مدى تجاوب الناس معه.
ذرف «حمزة» الدموع سِخاناً، وتساءل:
لماذا أُحرم من هذه النعمة مع وجود الرغبة الشديدة للتعلّم لديّ ؟!


أصرّ والده أيضاً على قبوله لئلاّ يَترك رفضُه أثراً سيّئاً في نفسيّته، فلم يجد المسؤول ونبُدّاً
ـ تحت تأثير العاطفة الإنسانيّة ـ من قبوله.
عادوا ومعهم حمزة مع عدد من الشبان المتطوّعين للدراسة،
وجرى في العاصمة استقبال لهؤلاء الشباب الآذربيجانيين المتحمّسين، وصُوّرت تفاصيل ذلك الاستقبال وفي ضمن تصوير الفلم عمد أحد المصوّرين ـ لسببٍ ما ـ إلى التركيز على عين الشاب حمزة المطفأة،
فركّز عدسته عليها وقرّبها عدّة مرّات خلال مراسم الاستقبال.
بعدها ذهب أولئك الشباب إلى الحوزة العلميّة في قمّ، وتمّ إسكانهم في إحدى المدارس الدينيّة،
فسُلّم مسؤول تلك المدرسة نسخة من فيلم من تلك المراسم ليحفظه في أرشيف المدرسة.
وحصل في أحد الأيّام أن عرض مسؤول المدرسة ذلك الفلم في قاعة المدرسة أمام أولئك القادمين الجدد، كنوع من أنواع الترفيه عنهم، فإذا باولئك الشباب ـ وكانت أعمارهم صغيرة نسبياً ـ يقهقهون ويتضاحكون كلّما ركّزت عدسة المصوّر على عين «حمزة»،
حتّى أحس صديقهم «حمزة» في تلك الجلسة بالضعة والهوان، وأضحت الحياة تافهة أمام عينيه، فصمّم على جمع لوازمهوالعودة إلى بلده، لأنّه أدرك أنّه سيغدو أضحوكة لهؤلاء الشباب الصغار.
نهض «حمزة» ليتشرّف بالذهاب إلى الحرم المطهّر للسيّدة المعصومة سلام الله عليها بقلب منكسر، فذرف دموعه بحرقة، وناجاها بلوعة:
يا بنت باب الحوائج، لقد قطعتُ مئات الأميال من أجل أن أدرس تحت ظلالك، فأُصبح مبلّغاً لديني،
لكنْ لا طاقة لي على تحمّل كلّ هذا التحقير والاستهزاء، وها أنا أُجبر على العودة إلى بلدي ومدينتي،
فأُحرم من نعمة مجاورة حرمك!


وهكذا باح للسيّدة كريمة أهل البيت بمكنونات قلبه،
وما انعقد عليه ضميره، ثمّ نهض وفي الحلق شجى، وفي القلب حزن وأسى، فودّع السيّدة المعصومة الوداع الأخير،
وملأ من منظر ضريحها النوراني وقبّتها المتلألئة بصره،
وعاد أدراجه إلى المدرسة.
لكنّه لم يخطُ خارج الصحن الشريف إلاّ خطوات قليلة،حتّى صادف أحد زملائه في الدراسة، فسلّم عليه حمزة، فردّ عليه السّلام باستغراب
وكأنّه لا يعرفه!
فناداه حمزة باسمه، فعاد يتأمّل وجه حمزة في حيرة واندهاش،
فناداه وتساءل: أأنت يا حمزة ؟!
فأجابه: نعم، ولكن ما الأمر؟
فردّ: فما بال عينك؟!
ففطن حمزة ـ ويا للفرحة!


أنّ عينه المطفأة المحزونة قد شُفيت ببركة السيّدة المعصومة عليها السّلام، وأدرك أن كريمة أهل البيت لم تمسح بيدها على قلبه الحزين وتُعيد إليه كرامته واحترامه فحسب..


بل إنّه سيعيش إلى جوارها كفرد عزيز فخور،
وأنّه سيُعَدّ عند عودته إلى آذربيجان أحدى معجزات أهل البيت الأطهار عليهم السّلام في تلك الديار.
حمزة أحد طلبة الحوزة العلمية في قمّ، يشترك في المجالس والمحافل ويشرح قصّته بحماسة وشغف كبيرَين، ويبدي شكره وامتنانه العميقين ل
كريمة أهل البيت عليها السّلام.
وهناك أكثر من مائة طالب آذربيجانيّ يشهدون على هذه الواقعة، فضلاً عن الفلم المسجّل الموجود في أرشيف المدرسة.


يـــــا خـــير من أدعوه ينجز طلبتي
وتــــــقرّ عيـــــني، عـند بنت كرام


يا بنت مـــــن ولـــدوا الخير مسوّد
عــــــــلم الهـــــدى الأوّاه والمقدام


يـــا أخت مولى الكون مولانا الرضا
سلــــــطان طــــــوسٍ، آه يا لإمام


يا عمّـــــــة المولى الجواد المقتدى
سمح العــــطايا الـــــقرم يا لهُمام


آلُ السمــــــا أنـــــــتم أئمة قلبي الـ
مُضـــــنى مــــن الأعـيان والأقوام


مــــــولاتي العــــــليا ورؤيا جَلوتي
ومليــــــكة الأبـــــــيات والإلــــهام



نص زيارة السيدة المعصومه
السلام عليك يا بنت رسول الله، السلام عليك يا بنت فاطمة وخديجة، السلام عليك يا بنت أمير المؤمنين، السلام عليك يا بنت الحسن والحسين، السلام عليك يا بنت ولي الله، السلام عليك يا أخت ولي الله، السلام عليك يا عمّة ولي الله، السلام عليك يا بنت موسى بن جعفر، ورحمة الله وبركاته.
السلام عليك، عرّف الله بيننا وبينكم في الجنّة، وحشرنا في زمرتكم، وأوردنا حوض نبيّكم، وسقانا بكأس جدّكم، من يد علي بن أبي طالب، صلوات الله عليكم، أسأل الله أن يرينا فيكم السرور والفرج، وأن يجمعنا وإيّاكم في زمرة جدّكم محمد (صلّى الله عليه وآله)، وأن لا يسلبنا معرفتكم إنّه وليّ قدير.
أتقرّب إلى الله بحبّكم، والبراءة من أعدائكم، والتسليم إلى الله راضياً به، غير منكر ولا مستكبر، وعلى يقين ما أتى به محمد وبه راضٍ، نطلب بذلك وجهك يا سيدي، اللهم ورضاك والدار الآخرة،
يا فاطمة اشفعي لي في الجنة فإنّ لك عند الله شأناً من الشأن.
اللهم إنّي أسألك أن تختم لي بالسعادة، فلا تسلب منّي ما أنا فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم استجب لنا وتقبّله بكرمك وعزتك، وبرحمتك وعافيتك، وصلى الله على محمد وآله أجمعين، وسلّم تسليماً يا أرحم الراحمين.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق